تسريباتٌ «مَسمومَة» لتجميل «قَباحاتِ» … صفقة القرن!

محمد خروب :

فجأة وفي غمرة التطورات المُتلاحِقة على جدول الاعمال الدولي,وبروز مؤشرات على أن ادارة ترمب قد فقدت كوابحها الدبلوماسية وراحت تتخبط في تحديد مواقِفها «الحقيقية»,من الأزمات والمُستجدات التي تفرض نفسها على اكثر من ساحة دولية.سواء في الشرق الأوسط بكل تلاويين أزماتِه وتداعِياتها,ام في العلاقة المتدهوِرة بتسارع,مع كل من روسيا (آخرها الانسحاب من معاهدة حظر الصواريخ النووية قصيرة ومتوسطة المدى)والصين (جديد واشنطن تمثَّل في دفع مدمرة اميركية لعبور مضيق تايوان,والتلميح لتأييد خطوات الحزب الحاكِم لإجراء استفتاء على استقلال الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي،رغم تصريح وزير الدفاع الاميركي ماتيس,بان بلاده ما تزال تعترف بمبدأ»صين واحدة»),ناهيك عمّا باتت عليه «شعبية» ترمب والحزب الجمهوري,على أبواب الانتخابات النِصفية للكونغرس الاميركي بعد أُسبوعين من الآن.

نقول: في سياق ذلك كله,»اخترَعت»صحيفة يديعوت احرونوت الصهيونية»قصة»غريبة,تقوم على تسريبات مسمومة يُقصَد منها إبعاد الانظار عن المأزق الذي بات عليه نتنياهو,في مواجهة الدلائل المتزايِدة على احتمال توجيه لائحة إتّهام له,في شأن ملفات الفساد الاربعة التي حقّقت معه الشرطة فيها,بعد ان حشدت المزيد من الشهود»الثِقات» الذين قبِلوا التعاون مع المحققين مقابل تخفيف العقوبة.لا تعدو كونها – توجيه لائحة اتّهام –مسألة وقت ليس إلاّ،مُقابِل خيار لا يبدو انتحاريا بل مُريحا لرئيس حكومة العدو,وهو الذهاب الى انتخابات مُبكرة مضمون فوزه وحزبِه بها.وإن كان المُبرِّر المُعلَن الذي يتّكِئ عليه نتنياهو,هو الخلاف بين شركاء الإئتلاف الفاشي الذي يرأسه,حول قانون تجنيد الشباب»الحريديين»,الذي تُعارِض الاحزاب الدينية إقراره وتُهدِّد بتقويض الحكومة القائمة.

ما نشرَته يديعوت احرونوت,ينهض على «فِرية» تنسبها الى مصادر اميركية,وإن ليس هناك ثمة ما ومَن يؤيّدها,او سبّق ان تمت الاشارة اليها.والتي تقوم على تسريب يقول (وفق الصحيفة الصهيونية):ان خطة الرئيس الاميركي المعروفة بـ»صفقة القرن»ستتضمّن(عند الكشف عنها قبل نهاية العام الجاري,كما هو مُتوقّع)الإعلان عن القدس «عاصمة للدولتين»..الاسرائيلية والفلسطينية.امّا لماذا يلجأ ترمب الى تقديم مثل هذه «الجزرَة» للجانب الفلسطيني,فتزعم الصحيفة في محاولة لالغاء عقول الآخرين,بانه «محاولة من ترمب لإقناع (….) ابو مازن العودة الى طاولة المفاوضات».للمرء ان يتأمّل هذا الاستخفاف الموصوف بالعقول,وبخاصة ما تستبطِنه من استنسابية في التأشير على «براءة» و»حيادية» الجانب الاميركي,الذي بات يرى ان «النزاع الفلسطيني الاسرائيلي,هو سهل الحلّ نسبيا ويُشكِّل ثمرَة ناضِجة»,وفق خبر الصحيفة التي لا تستنِد في استنتاجها هذا الى اي مصدر,اللهّم الا عندما تعزوه الى ما تصِفه بـ»التخوّف» الاسرائيلي,هو من ان يكون الاعتراف الاميركي بالقدس عاصمة للدولتين الفلسطينية والاسرائيلية،احد الإغراءات التي يعرِضها البيت الابيض,على «ابو مازن»كونه (ترمب) يُريدُ صفقة,وهو جَديّ جداً».

لم تلبث الرواية الصهيونية الجديدة,التي تريد المصادرة وقطع الطريق على أي محاولة اميركية (بافتراض وجودها اصلا) لإضفاء «بعض التوازن»على الصفقة العتيدة,التي لم تعُد مُعظَم بنودها سِرية,بعد خطوات اميركية منحازة وعدوانية تمت ترجمتها على ارض الواقع.إن بالإعتراف بالقدس عاصمة لدولة العدو ونقل السفارة الاميركية اليها,ام في وقف تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأُونروا) وإعادة تعريف مَن اللاجئ الفلسطيني وفق المنظور الصهيوأميركي,ناهيك عن قطع تمويل السلطة الفلسطينية وباقي المنظمات والهيئات التي تقوم بمشروعات ذات صفة اجتماعية في الضفة الغربية المحتلّة,وخصوصا إغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن وطرد البعثة الفلسطينية هناك.

لم يلبث تسريب الصحيفة الصهيونية ان انكشَفت أهدافه,وبخاصة دفع رئيس السلطة «لتلطيف حِدة موقِفه والعودة الى طاولة المفاوضات»و»على الطريق» تجديد تأييد العالم العربي للخِطة ايضا,ثم تمضي الصحيفة الأوسع انتشارا في دولة الإحتلال ناقِلة عن مصادر اسرائيلية «رفيعة المستوى»:ان الإدارة الاميركية تعمل على بلوِرة «خطة السلام»وفقا لثلاثة مبادئ,لم نعرِفها حتى اليوم:

المبدأ الاول يقول: كل من يصِل الى طاولة المفاوضات,يجب ان يتنازَل عن شيء ما،ولا توجد تنازلات أُحادية الجانب.

الثاني ينهض على مقولة:ان كل من يترك طاولة المفاوضات,يدفَع ثمناً,فيما يتلخّص المبدأ الثالث في أن مَن يقول»لا»للصيغة التي ستُطرَح، يُخاطِر في ان تكون الصيغة»التالية»أقل جودَة.. مِن ناحِيَته.

هذا يعني في واقع الحال..نهجَا تِجارياً– وفق وَصف الصحيفة – يقول: خُذ الصفقة التي إعرِضها الآن،لأن الصفقة التالية…ستكون أسوأ.

في السطر الاخير: ليس ثمة ما يمكن الحديث عنه بعد وبخاصة اذا ما اخذنا في الاعتبار,ان كل ما جرى ويجري الحديث عنه في شأن صفقة القرن,انما كان «نجاحا» صهيونيا في إخضاع ادارة ترمب للمشروع الصهيوني في فلسطين,الذي يُسجل إختراقات سياسية ودبلوماسية متواصِلة,فيما يُمعِن المُمسكون بالقرار الفلسطيني,وبخاصة في حركتي فتح وحماس,إضعافاً وتفتيتاً للمشروع الوطني الفلسطيني.ويواصلون»رقصة الإنتحار المجّانِي»المتمثلَة في رفض المُصالَحة وإنهاء الإنقسام,وتقديم الوطني على الفصائلي والشخصي.اما بالنسبة لنتنياهو(بافتراض وجود «نية» اميركية كهذه,للإعتراف الأميركي بالقدس عاصمة للدولتين), فسينجح كعادتِه في «اقناع» ترمب,بان اتّخاذ خطوة كهذه,ستُصعّب عليه في انتخابات الكنيست المُبكرة الوشيكة,وعندها سيطوي هذه الصفحة «غير المُؤكّدة»..على أي حال.ــ الراي

kharroub@jpf.com.jo

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة